اعلم أنه تعالى لما قال: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف: 179 ] فأخبر أن كثيرًا من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ليبين أيضًا أن كثيرًا منهم مخلوقون للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله: { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [ الأعراف: 159 ] فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد A ، روى قتادة وابن جريج عن النبي A أنها هذه الأمة وروى أيضًا أنه E قال: « هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها » وعن الربيع بن أنس أنه قال: قرأ النبي A هذه الآية فقال: « إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم » وقال ابن عباس يريد أمة محمد E المهاجرين والأنصار . قال الجبائي: هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد A ، وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه قد كان ظاهرًا لكل الناس أن محمدًا وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة ، والثاني باطل أيضًا ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جَمْعٌ من المحقين ، فلم يبق إلا القسم الثالث . وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة .