فهرس الكتاب

الصفحة 5532 من 8321

اعلم أن في قوله تعالى: { قَالَ يَا أَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا } دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان ، ودلالة على أن أمر ذلك العرش كان مشهورًا ، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها ، واختلفوا في غرض سليمان عليه السلام من إحضار ذلك العرض على وجوه: أحدها: أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام ، حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت وثانيها: أراد أن يؤتى بذلك العرش فيغير وينكر ، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره ، والمقصود اختبار عقلها ، وقوله تعالى: { قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى } [ النمل: 41 ] كالدلالة على ذلك وثالثها: قال قتادة: أراد أن يأخذه قبل إسلامها ، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها ورابعها: أن العرش سرير المملكة ، فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه .

أما قوله: { قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن } فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه ، ومن الشياطين الخبيث المارد .

أما قوله: { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } فالمعنى من مجلسك ، ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت ، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس ، وقيل الوقت الذي يخطب فيه الناس ، وقيل إلى انتصاف النهار .

وأما قوله: { لَقَوِىٌّ } أي على حمله { أَمِينٌ } آتي به كما هو لا أختزل منه شيئًا .

أما قوله: { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب } ففيه بحثان:

الأول: اختلفوا في ذلك الشخص على قولين: قيل كان من الملائكة ، وقيل كان من الإنس ، فمن قال بالأول اختلفوا ، قيل هو جبريل عليه السلام ، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه: أحدها: قول ابن مسعود: إنه الخضر عليه السلام وثانيها: وهو المشهور من قول ابن عباس: إنه آصف بن برخيا وزير سليمان ، وكان صديقًا يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب وثالثها: قول قتادة: رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم ورابعها: قول ابن زيد: كان رجلًا صالحًا في جزيرة في البحر ، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان وخامسها: بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو العفريت الذي كلمه ، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولًا ، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت ، وهذا القول أقرب لوجوه: أحدها: أن لفظة ( الذي ) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام ، فوجب انصرافه إليه ، أقصى ما في الباب أن يقال ، كان آصف كذلك أيضًا لكنا نقول إن سليمان عليه السلام ، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي ، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية ، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام ، وأنه غير جائز الثالث: أن سليمان عليه السلام ، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع: أن سليمان قال: { هذا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت