اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين ، وصف بعده عقاب الطاغين ، ليكون الوعيد مذكورًا عقيب الوعد ، والترهيب عقيب الترغيب .
واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال النار أنواعًا فالأول: مرجعهم ومآبهم ، فقال: { هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ } [ ص: 55 ] وهذا في مقابلة قوله: { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَئَابٍ } [ ص: 49 ] فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين ، واختلفوا في المراد بالطاغين ، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار ، وقال الجبائي: إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارًا أو لم يكونوا كذلك ، واحتج الأولون بوجوه الأول: أن قوله: { لَشَرَّ مَئَابٍ } يقتضي أن يكون مآبهم شرًا من مآب غيرهم ، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: { أتخذناهم سِخْرِيًّا } وذلك لا يليق إلا بالكفار ، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخريًا الثالث: أنه اسم ذم ، والاسم المطلق محمول على الكامل ، والكامل في الطغيان هو الكافر ، واحتج الجبائي على صحة قوله بقوله تعالى: { إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق: 6 ، 7 ] وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة ، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ، إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس Bهما ، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب ، أي شر مرجع ومصير ، ثم قال: { جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله: { جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } ثم قال: { فَبِئْسَ المهاد } وهو كقوله: { لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [ الأعراف: 41 ] شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم .
ثم قال تعالى: { هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير ، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ، ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق .
المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار ، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها . وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره ، والغساق يحرق ببرده ، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد ، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية .
المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف . قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسمًا أو صفة ، فإن كان اسمًا فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلًا ، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك .