فهرس الكتاب

الصفحة 7903 من 8321

اعلم أنه تعالى وبخ هؤلاء المطففين فقال: { أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ } الذين يطففون { أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } وهو يوم القيامة ، وفي الظن ههنا قولان: الأول: أن المراد منه العلم ، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث ، ويحتمل أن لا يكونوا كذلك أما الاحتمال الأول: فهو ما روي أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس والخزرج كانوا كذلك ، وحين ورد النبي A كان ذلك شائعًا فيهم ، وكانوا مصدقين بالبعث والنشور ، فلا جرم ذكروا به ، وأما إن قلنا: بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا أنهم كانوا متمكنين من الاستدلال عليه ، لما في العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء ، أو إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه ، وهذا مما يجوز أن يخاطب به من ينكر البعث ، والمعنى ألا يتفكرون حتى يعلموا أنهم مبعوثون ، لكنهم قد أعرضوا عن التفكر ، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه ، وإنما يجعل العلم الاستدلال ظنًا ، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب في الرأي ، ولم يكن كالشك الذي يعتدل الوجهان فيه لا جرم سمي ذلك ظنًا القول الثاني: أن المراد من الظن ههنا هو الظن نفسه لا العلم ، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن لا أقل من الظن ، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرهم بعد الموت بالكلية ، وأن يكون لهم حشر ونشر ، وأن هذا الظن كاف في حصول الخوف ، كأنه سبحانه وتعالى يقول: هب أن هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضًا ، فأما قوله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء { يَوْمٍ } بالنصب والجر ، أما النصب فقال الزجاج: يوم منصوب بقوله { مَّبْعُوثُونَ } والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة ، وقال الفراء: وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل فنصب ، وهذا كما ذكرنا في قوله: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } وأما الجر فلكونه بدلًا من { يَوْمٍ عَظِيمٍ } .

المسألة الثانية: هذا القيام له صفات:

الصفة الأولى: سببه وفيه وجوه أحدها: وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير ، فيعرف هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب منه قوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن: 46 ] وثانيها: أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله: { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } وثالثها: قال أبو مسلم معنى: { يَقُومُ الناس } هو كقوله: { وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } [ البقرة: 238 ] أي لعبادته فقوله: { يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } أي لمحض أمره وطعته لا لشيء آخر ، على ما قرره في قوله: { والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت