هذا هو الكلام الثاني مما حكاه الله تعالى عن الكفار جوابًا للخزنة حين قالوا: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } [ الملك: 8 ] والمعنى لو كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالبًا للحق أو نعقله عقل من كان متأملًا متفكرًا لما كنا من أصحاب السعير ، وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل ، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل ، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين ، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية .
المسألة الثانية: احتج بهذه الآية من قال: الدين لا يتم إلا بالتعليم فقال: إنه قدم السمع على العقل تنبيهًا على أنه لا بد أولًا من إرشاد المرشد وهداية الهادي ، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم والجواب: أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه ، فلما كان السمع مقدمًا بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر .
المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي ، ثم قال كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم .
المسألة الرابعة: احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية ، وقالوا: دلت الآية على أن للسمع مدخلًا في الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل .