فهرس الكتاب

الصفحة 5492 من 8321

القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام

اعلم أنه تعالى لما قص على محمد A خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضًا نبأ نوح عليه السلام ، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره ، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ، ومع ذلك كذبه قومه فقال: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } وإنما قال ( كذبت ) لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة ، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: أحدهما: أنهم وإن كذبوا نوحًا لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره ، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين وثانيهما: أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى ، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة .

وأما قوله: { أَخُوهُمْ } فلأنه كان منهم ، من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحدًا منهم ، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولًا خوفهم ، وثانيًا أنه وصف نفسه ، أما التخويف فهو قوله: { أَلاَ تَتَّقُونَ } .

واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف ، وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال ، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله: { أَلاَ تَتَّقُونَ } . وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين: أحدهما: قوله: { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } وذلك لأنه كان فيهم مشهورًا بالأمانة كمحمد A في قريش فكأنه قال كنت أمينًا من قبل ، فكيف تتهموني اليوم؟ وثانيهما: قوله: { وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة ، فإن قيل: ولماذا كرر الأمر بالتقوى؟ جوابه: لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله ، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجرًا فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه ، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرًا! ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرًا ، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته ، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول ، ثم إن نوحًا عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم: { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } .

قال صاحب «الكشاف» : وقرى { وأتباعك الأرذلون } جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في { واتبعك } وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير في قولهم: { الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } [ هود: 27 ] والرذالة الخسة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت