اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل ، وفيها مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: { حُلِيّهِمْ } بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلي . والباقون: { حُلِيّهِمْ } بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي ، وقرأ بعضهم: { مِنْ حُلِيّهِمْ } على التوحيد ، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة .
المسألة الثانية: قيل: إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم ، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلًا مطاعًا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها يعبدونه ، فصاغ السامري عجلًا . ثم اختلف الناس ، فقال قوم كان قد أخذ كفًا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحمًا ودمًا وظهر منه الخوار مرة واحدة . فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفًا ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح ، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل ، وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف ، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار . قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك ، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال ، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل إلههم وإله موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات:
السؤال الأول: لم قيل: { واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا } والمتخذ هو السامري وحده؟ .
والجواب: فيه وجهان: الأول: أن الله نسب الفعل إليهم ، لأن رجلًا منهم باشره كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . والثاني: أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه .
السؤال الثاني: لم قال: { مِنْ حُلِيّهِمْ } ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟ .
والجواب: أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، وصارت ملكًا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى: { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } [ الدخان: 25 ] ، { وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [ الشعراء: 58 ] ، { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فاكهين * كَذَلِكَ وأورثناها قَوْمًا ءاخَرِينَ } [ الدخان: 27 ، 28 ] .
السؤال الثالث: هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم؟ .
والجواب: أن قوله تعالى: { واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلًا } يفيد العموم . قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين: الأول: عموم هذه الآية ، والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة { رَبّ اغفر لِى وَلاخِى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على أن من كان مغايرًا لهما ما كان أهلًا للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك ، وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين ، والدليل عليه قوله تعالى: