فهرس الكتاب

الصفحة 2219 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية ، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية ، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين ، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر ، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر ، فإنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { أَلَمْ تَرَ } معناه: ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم } [ البقرة: 258 ] وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية ، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم .

المسألة الثانية: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب: هم اليهود ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله بعد هذه الآية: { مّنَ الذين هَادُواْ } [ النساء: 46 ] متعلق بهذه الآية . الثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود ، كانا يأتيان رأس المنافقان عبدالله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام . الثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن ، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى .

المسألة الثالثة: لم يقل تعالى: انهم أوتوا علم الكتاب ، بل قال: { أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ولم يعرفوا منها نبوة محمد A ، فأما الذين أسلموا كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ، فقال: { قُلْ كفى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } [ الرعد: 43 ] والله أعلم .

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: الضلال والإضلال ، أما الضلال فهو قوله: { يَشْتَرُونَ الضلالة } وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يؤثرون تكذيب الرسول E ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة ، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره . الثاني: أن في الآية إضمارا ، وتأويله: يشترون الضلالة بالهدى كقوله: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة: 16 ] أي يستبدلون الضلالة بالهدى ، ولا إضمار على قول الزجاج . الثالث: المراد بهذه الآية عوام اليهود ، فانهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها ، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة ، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا ، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم ، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال: { وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل } يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم؛ لكي يخرجوا عن الإسلام .

واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال .

ثم قال تعالى: { والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت