فهرس الكتاب

الصفحة 6529 من 8321

اعلم أنه تعالى بيّن أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل ، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم .

واعلم أن النعم على قسمين: نعم الدين ، ونعم الدنيا ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا ، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين ، فقال { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة } والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يجب أن يكون مغايرًا لصاحبه ، أما الكتاب فهو التوراة ، وأما الحكم ففيه وجوه ، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة ، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات ، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه ، وأما النبوة فمعلومة ، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى: { وَرَزَقناهم مِّنَ الطيبات } وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا ، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى ، ولما بيّن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيبًا وافرًا ، قال: { وفضلناهم عَلَى العالمين } يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم ، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمي زمانهم .

ثم قال تعالى: { وءاتيناهم بينات مّنَ الأمر } وفيه وجوه الأول: أنه آتاهم بينات من الأمر ، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني: قال ابن عباس: يعني بيّن لهم من أمر النبي A أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث: المراد { وءاتيناهم بينات } أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم ، والمراد معجزات موسى عليه السلام .

ثم قال تعالى: { فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } وهذا مفسر في سورة { حم * عسق } [ الشورى: 1 ، 2 ] والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة ، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف ، وههنا صار مجيء العلم سببًا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم ، ثم ههنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا ، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم ، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع .

ثم قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهم يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا ، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها ، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه ، وذلك كالزجر لهم ، ولما بيّن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد ، أمر رسوله A بأن يعدل عن تلك الطريقة ، وأن يتمسك بالحق ، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق ، فقال تعالى: { ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر } أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين ، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات ، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل ، قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي A وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت