فهرس الكتاب

الصفحة 4985 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر [ به ] المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل فقال: { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت وفاعله هو قوله: { كَمْ أَهْلَكْنَا } قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينًا لهم ، كما جعل مثل ذلك واعظًا لهم وزاجرًا ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أفلم نهد لهم بالنون ، قال الزجاج: يعني أفلم نبين لهم بيانًا يهتدون به لو تدبروا وتفكروا ، وأما قوله: { كَمْ أَهْلَكْنَا } فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله: { يَمْشُونَ فِى مساكنهم } أن قريشًا يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم ، وما حل بهم من ضروب الهلاك ، وللمشاهدة في ذلك من الاعتبار ما ليس لغيره ، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولى النهى ، أي لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل ، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ينتهي به عن القبائح ، كما أن لقولنا: أولو العزم مزية على أولو الحزم ، فلذلك قال بعضهم: أهل الورع وأهل التقوى ، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلًا على من كذب وكفر بمحمد A فقال: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزامًا ، ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال ، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد A ، قال بعضهم: لأنه علم أن فيهم من يؤمن ، وقال آخرون: علم أن في نسلهم من يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك ، وقال آخرون: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو ، وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة ، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل ، فلهذا قال أهل التحقيق: كل شيء صنيعه لا لعلة ، وأما الأجل المسمى ففيه قولان: أحدهما: ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر . والثاني: ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذب وهو أقرب ، ويكون المراد ولولا كلمة سبقت تتضمن تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله: { بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت