فهرس الكتاب

الصفحة 4810 من 8321

القصة الثالثة: قصة إبراهيم عليه السلام .

اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر ، والمنكرون للتوحيد هم الذين أثبتوا معبودًا سوى الله تعالى ، وهؤلاء فريقان: منهم من أثبت معبودًا غير الله حيًا عاقلًا فاهمًا وهم النصارى ، ومنهم من أثبت معبودًا غير الله جمادًا ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال: { واذكر فِى الكتاب } والواو في قوله واذكر عطف على قوله: { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } [ مريم: 2 ] كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما السلام قال قد ذكرت حال زكريا فاذكر حال إبراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان هو ولا قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارًا عن الغيب ومعجزًا قاهرًا دالًا على نبوته . وإنما شرع في قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه وطهارة دينه على ما قال تعالى: { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } [ الحج: 78 ] وقال تعالى: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة: 130 ] فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم: { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } [ الزخرف: 23 ] ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرًا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما تقليدًا وإما استدلالًا . وثانيها: أن كثيرًا من الكفار في زمن الرسول A كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل رد على الأب الأشرف الأكبر الذي هو إبراهيم عليه السلام . وثالثها: أن كثيرًا من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال الله تعالى: { قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ } [ الزخرف: 22 ] و { قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عابدين } [ الأنبياء: 53 ] فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال تنبيهًا لهؤلاء على سقوط هذه الطريقة ثم قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام: { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقًا نَّبِيًّا } وفي الصديق قولان: أحدهما: أنه مبالغة في كونه صادقًا وهو الذي يكون عادته الصدق لأن هذا البناء ينبىء عن ذلك يقال رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت