في الترتيب وجهان ، قد ذكرنا أن الله في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة ، وهي الوحدانية والرسالة والحشر ، ذكر الأصل الثالث منها ، وههنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر ، أما الوحدانية ففي قوله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ يس: 60 ] وفي قوله: { وَأَنِ اعبدوني هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } [ يس: 61 ] وأما الحشر ففي قوله تعالى: { اصلوها اليوم } [ يس: 64 ] وفي قوله: { اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } [ يس: 65 ] إلى غير ذلك ، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: { وَمَا علمناه الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ } وقوله: { وَمَا علمناه الشعر } إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد ، وفي تفسير الآية مباحث:
البحث الأول: خص الشعر بنفي التعليم ، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي A أشياء من جملتها السحر ، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة ، ولم يقل وما علمناه الكهانة ، فنقول: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي A إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول . وأما السحر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك . وأما الشعر: فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلوا القرآن عليهم لكنه A ما كان يتحدى إلا بالقرآن ، كما قال تعالى: { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } [ البقرة: 23 ] إلى غير ذلك ، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب ، فلما كان تحديه A بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم .
البحث الثاني: ما معنى قوله: { وَمَا يَنبَغِي لَهُ } قلنا: قال قوم ما كان يتأتى له ، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفًا يروى أنه كان يقول A: « ويأتيك من لم تزود بالأخبار » . وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له ، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ، فالشارع يكون اللفظ منه تبعًا للمعنى ، والشاعر: يكون المعنى منه تبعًا للفظ ، لأنه يقصد لفظًا به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ ، وعلى هذا نقول: الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدًا أوليًا ، وأما من يقصد المعنى فيصدر موزونًا مقفى فلا يكون شاعرًا ، ألا ترى إلى قوله تعالى: