اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلًا لتعذر المعاش ولو كان كله نهارًا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ما قال سبحانه: { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } [ الفرقان: 62 ] ، { وسخر لكم الليل والنهار } [ إبراهيم: 33 ] أما قوله: { واليل إِذَا يغشى } فاعلم أنه تعالى لم يذكر مفعول يغشى ، فهو إما الشمس من قوله: { واليل إِذَا يغشاها } [ الشمس: 4 ] وإما النهار من قوله: { يغشى الليل والنهار } [ الرعد: 3 ] وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله: { إِذْا وَقَبَ } [ الفلق: 3 ] وقوله: { والنهار إِذَا تجلى } أي ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس .