اعلم أن موسى وذلك العالم لما تشارطا على الشرط المذكور وسارا فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فركباها وأقدم ذلك العالم على خرق السفينة ، وأقول لعله أقدم على خرق جدار السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك الخرق معيبة ظاهرة العيب فلا يتسارع الغرق إلى أهلها فعند ذلك قال موسى له: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } وفيه بحثان:
البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: { ليغرق أَهْلِهَا } بفتح الياء على إسناد الغرق إلى الأهل والباقون لتغرق أهلها على الخطاب ، والتقدير: لتغرق أنت أهل هذه السفينة .
البحث الثاني: أن موسى عليه السلام لما شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نسي الشرط المتقدم فلهذا المعنى قال ما قال ، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجهين . الأول: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان من الأنبياء ، ثم قال موسى عليه السلام: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } فإن صدق موسى في هذا القول دل ذلك على صدور الذنب العظيم عن ذلك النبي ، وإن كذب دل على صدور الكذب عن موسى عليه السلام . الثاني: أنه التزم أن لا يعترض على ذلك العالم . وجرت العهود المؤكدة لذلك ، ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب . والجواب عن الأول: أنه لما شاهد موسى عليه السلام منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام ، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحًا ، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه ، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه إنه أمر يقال أمر الأمر إذا عظم وقال الشاعر:
داهية دهياء ... وعلى الثاني: أنه فعل بناء على النسيان ، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه لما خالف الشرط لم يزد على أن قال: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام بقوله: { لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي بشيء: { وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا } يقال: رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني من أمري عسرًا ، وهو اتباعه إياه يعني ولا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة ، وقرىء: { عُسْرًا } بضمتين .