في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءاياتنا } [ يونس: 21 ] كان هذا الكلام كلامًا كليًا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف . إلا بذكر مثال كامل ، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالًا ، ولمكر الإنسان مثالًا ، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها ، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي .
واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود ، حصل له الفرح التام والمسرة القوية ، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة . فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة . وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب . وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع ، وأن النجاة ليست متوقعة ، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم ، والرعب الشديد ، وأيضًا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب ، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعًا إلى الله تعالى ، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة ، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة ، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية .
المسألة الثانية: يحكى أن واحدًا قال لجعفر الصادق: اذكر لي دليلًا على إثبات الصانع فقال: أخبرني عن حرفتك: فقال: أنا رجل أتجر في البحر ، فقال: صف لي كيفية حالك . فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال جعفر: هل وجدت في قلبك تضرعًا ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت .
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر { ينشركم } من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى: { فانتشروا فِى الارض } [ الجمعة: 10 ] والباقون قرؤا { يُسَيّرُكُمْ } من التسيير .
المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقًا لله تعالى . قالوا: دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ودل قوله تعالى: { قُلْ سِيرُواْ فِى الارض } [ الأنعام: 11 ] على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبيًا لهم وخلقًا لله ونظيره .