فهرس الكتاب

الصفحة 3758 من 8321

قوله تعالى: { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق } [ الأنفال: 5 ] وقال في آية أخرى: { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ } [ التوبة: 40 ] وقال في آية أخرى: { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } [ التوبة: 82 ] ثم قال في آية أخرى { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى } [ النجم: 43 ] وقال في آية أخرى { وَمَا رَمَيْتَ إِذَا رَمَيْتَ ولكن الله رمى } [ الأنفال: 7 ] قال الجبائي: أما كونه تعالى مسيرًا لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث إنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال: { هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ فِى البر والبحر } أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبًا للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير . هذا جملة ما قيل في الجواب عنه . ونحن نقول: لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى ، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة . فنقول: وجب أيضًا أن يكون مسيرًا لهم في البر بهذا التفسير ، إذ لو كان مسيرًا لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازًا بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا دفعة واحدة ، وذلك باطل .

واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازًا بالنسبة إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول: إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول: لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين .

واعلم أن قول الجبائي: قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضًا بعيد . لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلًا .

واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات:

السؤال الأول: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر؟

والجواب: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا .

السؤال الثاني: ما جواب { إِذَا } في قوله: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } .

الجواب: هو أن جوابها هو قوله: { جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } ثم قال صاحب «الكشاف» :

وأما قوله: { دَّعَوَا الله } فهو بدل من { ظنوا } لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك . وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله: { دَّعَوَا الله } على الاستئناف . كان أوضح ، كأنه لما قيل: { جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } قال قائل فما صنعوا؟ فقيل: { دَّعَوَا الله } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت