السؤال الثالث: ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟
الجواب فيه وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف» : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح . الثاني: قال أبو علي الجبائي: إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي على لسان الرسول E ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب . وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب . الثالث: وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام . وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد .
أما الأول: فكما في سورة الفاتحة ، فإن قوله: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم } [ الفاتحة: 2 ، 3 ] كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها إلى قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة: 5 ] وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب من خدمة رب العالمين .
وأما الثاني: فكما في هذه الآية ، لأن قوله: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } خطاب الحضور ، وقوله: { وَجَرَيْنَ بِهِم } مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد ، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران ، كان اللائق به ما ذكرناه .
السؤال الرابع: كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء؟
الجواب: أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة: أولها: الكون في الفلك ، وثانيها: جَرْيُ الفلك بالريح الطيبة ، وثالثها: فرحهم بها . وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضًا: أولها: قوله: { جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } وفيه سؤالان:
السؤال الأول: الضمير في قوله: { جَاءتْهَا } عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد ، والضمير في قوله: { وَجَرَيْنَ بِهِم } عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع ، فما السبب فيه؟
الجواب عنه من وجهين: الأول: أنا لا نسلم أن الضمير في قوله: { جَاءتْهَا } عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله: { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } الثاني: لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ { الفلك } يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران .
السؤال الثاني: ما العاطف . الجواب: قال القراء والزجاج: يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفًا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء: والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال: ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { رِيحٌ عَاصِفٌ } لأنه يراد ذات عصوف كما قيل: لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر .