فهرس الكتاب

الصفحة 7119 من 8321

أما تعلق هذه السورة بما قبلها ، فذلك من وجوه أحدها: أن تلك السورة مشتملة على تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه عن التكذيب كما مر ، وهذه السورة مشتملة على ذكر الجزاء بالخير لمن شكر وبالشر لمن كذب وكفر ثانيها: أن تلك السورة متضمنة للتنبيهات بذكر الآلاء في حق العباد ، وهذه السورة كذلك لذكر الجزاء في حقهم يوم التناد ثالثها: أن تلك السورة سورة إظهار الرحمة وهذه السورة سورة إظهار الهيبة على عكس تلك السورة مع ما قبلها ، وأما تعلق الأول بالآخر ففي آخر تلك السورة إشارة إلى الصفات من باب النفي والإثبات ، وفي أول هذه السورة إلى القيامة وإلى ما فيها من المثوبات والعقوبات ، وكل واحد منهما يدل على علو اسمه وعظمة شأنه ، وكمال قدرته وعز سلطانه . ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ففي تفسيرها جملة وجوه أحدها: المراد إذا وقعت القيامة الواقعة أو الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد ، ولا يتمكن أحد من إنكارها ، ويبطل عناد المعاندين فتخفض الكافرين في دركات النار ، وترفع المؤمنين في درجات الجنة ، هؤلاء في الجحيم وهؤلاء في النعيم الثاني: { إذَا وَقَعَتِ الواقعة } تزلزل الناس ، فتخفض المرتفع ، وترفع المنخفض ، وعلى هذا فهي كقوله تعالى: { فَجَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } [ الحجر: 74 ] في الإشارة إلى شدة الواقعة ، لأن العذاب الذي جعل العالي سافلًا بالهدم ، والسافل عاليًا حتى صارت الأرض المنخفضة كالجبال الراسية ، والجبال الراسية كالأرض المنخفضة أشد وأبلغ ، فصارت البروج العالية مع الأرض متساوية ، والواقعة التي تقع ترفع المنخفضة فتجعل من الأرض أجزاء عالية ومن السماء أجزاء سافلة ، ويدل عليه قوله تعالى: { إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجًّا * وَبُسَّتِ الجبال بَسًّا } [ الواقعة: 4 ، 5 ] فإنه إشارة إلى أن الأرض تتحرك بحركة مزعجة ، والجبال تتفتت ، فتصير الأرض المنخفضة كالجبال الراسية ، والجبال الشامخة كالأرض السافلة ، كما يفعل هبوب الريح في الأرض المرملة الثالث: { إِذَا وَقَعَتِ الواقعة } يظهر وقوعها لكل أحد ، وكيفية وقوعها ، فلا يوجد لها كاذبة ولا متأول يظهر فقوله: { خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } معطوف على { كَاذِبَةٌ } نسقًا ، فيكون كما يقول القائل: ليس لي في الأمر شك ولا خطأ ، أي لا قدرة لأحد على رفع المنخفض ولا خفض المرتفع .

المسألة الثانية: { إِذَا وَقَعَتِ الواقعة } يحتمل أن تكون الواقعة صفة لمحذوف وهي القيامة أو الزلزلة على ما بينا ، ويحتمل أن يكون المحذوف شيئًا غير معين ، وتكون تاء التأنيث مشيرة إلى شدة الأمر الواقع وهوله ، كما يقال: كانت الكائنة والمراد كان الأمر كائنًا ما كان ، وقولنا: الأمر كائن لا يفيد إلا حدوث أمر ولو كان يسيرًا بالنسبة إلى قوله: كانت الكائنة ، إذ في الكائنة وصف زائد على نفس كونه شيئًا ، ولنبين هذا ببيان كون الهاء للمبالغة في قولهم: فلان راوية ونسابة ، وهو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة في كونه راويًا كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر ويقولون: فلان راو جيد أو حسن أو فاضل ، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيادة فائدة ، فقالوا: نأتي بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا: ظالمة بدل قول القائل: ظالم أنثى ، ولهذا لزمهم بيان الأنثى عند مالا يمكن بيانها بالهاء في قولهم شاة أنثى وكالكتابة في الجمع حيث قلنا: قالوا بدلًا عن قول القائل: قال وقال وقال ، وقالا بدلًا عن قوله: قال وقال فكذلك في المبالغة أرادوا أن يأتوا بحرف يغني عن كلمة والحرف الدال على الزيادة ينبغي أن يكون في الآخر ، لأن الزيادة بعد أصل الشيء ، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث والتوحيد في اللفظ المفرد لا في الجمع للمبالغة إذا ثبت هذا فنقول: في كانت الكائنة ووقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظًا ، أما معنى فلأنهم قصدوا بقولهم: كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون ، وأما لفظًا فلأن الهاء لو كانت للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث في الفعل ، بل كان ينبغي أن يقولوا: كان الكائنة ووقع الواقعة ، ولا يمكن ذلك لأنا نقول: المراد به المبالغة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت