فهرس الكتاب

الصفحة 2950 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلبًا للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا: إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين:

الوجه الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله: { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَمًا } يعني قل يا محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكمًا؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل: إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز .

والوجه الثاني: من الأمور الدالة على نبوته اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدًا E رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله: { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى: { قُلْ كفى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } [ الرعد: 43 ] .

أما قوله تعالى في آخر الآية: { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } ففيه وجوه: الأول: أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام: 114 ] والثاني: التقدير { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث: يجوز أن يكون قوله: { فَلاَ تَكُونَنَّ } خطابًا لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . الرابع: قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته .

المسألة الثانية: قوله: { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } قرأ ابن عامر وحفص { مُنَزَّلٌ } بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مرارًا .

المسألة الثالثة: قال الواحدي: { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَمًا } الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة . فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت