فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 8321

اعلم أن في الإعادة وجوهًا: أحدها: أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها: أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم: { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم .

أما قوله تعالى: { قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد .

المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى: { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ البقرة: 177 ] وكقوله: { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت: 11 ] والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز .

أما قوله تعالى: { وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: واشربوا في قلوبهم حب العجل ، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان ، الأول: معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله: { فِى قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الإشراف كقوله: { وَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا } [ النساء: 10 ] . الثاني: كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال .

المسألة الثانية: قوله: { واشربوا } يدل على أن فاعلًا غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين: الأول: ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان: معجب بنفسه ، الثاني: أن المراد من أَشْرب أي زَيَّنه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن . أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر .

أما قوله تعالى: { بِكُفْرِهِمْ } فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى .

أما قوله: { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب: { أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ } [ هود: 87 ] وكذلك إضافة الإيمان إليهم .

المسألة الثانية: الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت: 45 ] .

أما قوله تعالى: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت