فهرس الكتاب

الصفحة 1717 من 8321

اعلم أنه عليه السلام لما بيّن بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولًا من عند الله تعالى ، بيّن بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما: قوله { وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } .

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في قوله { وَرَسُولًا إلى بَنِى إسراءيل أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } [ آل عمران: 49 ] أن تقديره وأبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل قائلًا { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } فقوله { وَمُصَدّقًا } معطوف عليه والتقدير: وأبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل قائلًا { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } ، وإني بعثت { مُّصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة } وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها .

المسألةالثانية: إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقًا لجميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقًا لموسى بالتوراة ، ولعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين .

وأما المقصود الثاني: من بعثة عيسى عليه السلام قوله { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } .

وفيه سؤال: وهو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرمًا عليه في التوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله { وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } .

والجواب: إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكورًا في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرمًا فيها ، مناقضًا لكونه مصدقًا بالتوراة ، وأيضًا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضًا للتوراة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه عليه السلام ما غير شيئًا من أحكام التوراة ، قال وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسّر قوله { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } بأمرين أحدهما: إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت