فهرس الكتاب

الصفحة 3037 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول E بالإنذار والتبليغ ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج: موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها . قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيدًا ضربته ، والنصب جيد عربي أيضًا كقوله تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر: 49 ] .

المسألة الثانية: قيل: في الآية محذوف والتقدير: وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله: { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } والبأس لا يليق إلا بالأهل . وثانيها: قوله: { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فعاد الضمير إلى أهل القرية . وثالثها: أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم . ورابعها: أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم .

فإن قيل: فلماذا قال أهلكناها؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى: { وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ } [ الطلاق: 8 ] فرده على اللفظ . ثم قال: { أَعَدَّ الله لَهُمْ } [ الطلاق: 10 ] فرده على المعنى دون اللفظ ، ولهذا السبب قال الزجاج: ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صوابًا ، وقال بعضهم: لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها ، ولأن على هذا التقدير يكون قوله: { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } محمولًا على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل .

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: قوله: { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا } يقتضي أن يكون الإهلاك متقدمًا على مجيء البأس وليس الأمر كذلك ، فإنّ مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه: الأول: المراد بقوله: { أهلكناها } أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا . وثانيها: كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فغسلوا وجوهكم } [ المائدة: 6 ] وثالثها: أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال واردًا فكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس . فإن قالوا: السؤال باق ، لأن الفاء في قوله: { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } فاء التعقيب ، وهو يوجب المغايرة . فنقول: الفاء قد تجيء بمعنى التفسير كقوله E:"لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه"فالفاء في قوله فيغسل للتفسير ، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه . فكذلك ههنا البأس جار مجرى التفسير ، لذلك الإهلاك ، لأن الإهلاك ، قد يكون بالموت المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم ، فكان ذكر البأس تفسيرًا لذلك الإهلاك . الرابع: قال الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معًا كما يقال: أعطيتني فأحسنت ، وما كان الإحسان بعد الإعطاء / ولا قبله ، وإنما وقعا معًا فكذا ههنا ، وقوله: { بَيَاتًا } قال الفراء يقال: بات الرجل يبيت بيتًا ، وربما قالوا بياتًا قالوا: وسمي البيت لأنه يبات فيه . قال صاحب «الكشاف» : قوله: { بَيَاتًا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله: { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فيه بحثان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت