فهرس الكتاب

الصفحة 1704 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ، والمعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم ، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي .

فإن قيل: لم نفيت هذه المشاهدة ، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفي استماع هذه الأشياء من حفاظها وهو موهوم؟ .

قلنا: كان معلومًا عندهم علمًا يقينيًا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة ، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة ، ونظيره { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص: 44 ] ، { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } [ القصص: 46 ] { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } [ يوسف: 102 ] { وَمَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا } [ هود: 49 ] .

المسألة الثانية: الأنباء: الإخبار عما غاب عنك ، وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة ، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما ، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحيًا كقوله تعالى: { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } [ النحل: 68 ] وقال في الشياطين { لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ } [ الأنعام: 121 ] وقال: { فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا } [ مريم: 11 ] فلما كان الله سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول A بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحيًا .

أما قوله تعالى: { إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في تلك الأقلام وجوهًا الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى ، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه ، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين والثاني: أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم ، هذا قول الربيع والثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى: { فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين } [ الصافات: 141 ] وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور ، وإنما سميت هذه السهام أقلامًا لأنها تقلم وتبرى ، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلمًا .

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحًا نظرًا إلى أصل الاشتقاق ، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به ، فوجب حمل لفظ القلم عليه .

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب ، وإما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء ، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له ، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام ، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت