اعلم أن قوله: { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } [ التوبة: 1 ] جملة تامة ، مخصوصة بالمشركين ، وقوله: { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر } جملة أخرى تامة معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس ، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعًا ، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه ، فأمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر ، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى الكل ويشتهر . وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الأذان الأعلام . قال الأزهري: يقال آذنته أوذنه إيذانًا ، فالأذان اسم يقوم مقام الإيذان ، وهو المصدر الحقيقي ، ومنه أذان الصلاة . وقوله: { مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس } أي أذان صادر من الله ورسوله ، واصل إلى الناس ، كقولك: إعلام صادر من فلان إلى فلان .
المسألة الثانية: اختلفوا في يوم الحج الأكبر . فقال ابن عباس في رواية عكرمة إنه يوم عرفة ، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد ، وإحدى الروايتين عن علي: ورواية عن المسور بن مخرمة عن رسول الله A ، وهو أنه ، قال: خطب رسول الله A عشية عرفة . فقال: « أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر . » وقال ابن عباس: في رواية عطاء: يوم الحج الأكبر يوم النحر ، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وأحد الروايتين عن علي ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير . والقول الثالث ما رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها ، وهو مذهب سفيان الثوري ، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه كلها ، ويقول يوم صفين ، ويوم الجمل يراد به الحين والزمان ، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أيامًا كثيرة . حجة من قال يوم عرفة قوله E: « الحج عرفة » ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة ، لأن من أدركه ، فقد أدرك الحج ، ومن فاته فقد فاته الحج . وذلك إنما يحصل في هذا اليوم . وحجة من قال إنه يوم النحر ، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا اليوم ، وهي الطواف والنحر والحلق والرمي ، وعن علي Bه أن رجلًا أخذ بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر . قال: يومك هذا ، خل عن دابتي ، وعن ابن عمر أن رسول الله A ، وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع . « فقال هذا يوم الحج الأكبر ، » وأما قول من قال المراد مجموع تلك الأيام ، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة ، وهو خلاف الظاهر .