فهرس الكتاب

الصفحة 2145 من 8321

قوله تعالى: { والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } .

فيه مسائل:

المسألة الأولى: الاحصان في اللغة المنع ، وكذلك الحصانة ، يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة ، أي مانعة صاحبها من الجراحة . قال تعالى: { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } [ الأنبياء: 80 ] معناه لتمنعكم وتحرزكم ، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء ، والحصان بالكسر الفرس الفحل ، لمنعه صاحبه من الهلاك ، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد ، قال تعالى: { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } [ التحريم: 12 ] .

واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الحرية كما في قوله تعالى: { والذين يَرْمُونَ المحصنات } [ النور: 4 ] يعني الحرائر ، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين ، وكذلك قوله: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب } يعني الحرائر ، وكذلك قوله: { محصنات غَيْرَ مسافحات } [ النساء: 25 ] وقوله: { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } وقوله: { والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } [ الأنبياء: 91 ] أي أعفته ، وثالثها الاسلام: من ذلك قوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } قيل في تفسيره: اذا أسلمن ، ورابعها: كون المرأة ذات زوج يقال: امرأة محصنة اذا كانت ذات زوج ، وقوله: { والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } يعني ذوات الأزواج ، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات ، فلا بد وأن يكون الاحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة ، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير .

واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللُّغَويّ ، وهو المَنْع ، وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع ، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ينبغي ، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة ، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور ، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا ، ولذلك قال E: « من تزوج فقد حصن ثلثي دينه » فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم .

المسألة الثانية: قال الواحديّ: اختلف القُراء في { المحصنات } فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فانهم أجمعوا على الفتح فيها ، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني: أسلمن واخترن العفاف ، وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور . ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن ، يعني أحصنهن أزواجهن ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: قال الشافعي- رحمة الله عليه-: الثَّيّب الذمي إذا زنى يُرْجَم ، وقال أبو حنيفة -Bه-: لا يرجم . حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الاحصان وذلك علة لاباحة الدم ، فوجب أن يثبت إباحة الدم ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم . أما قولنا: حصل الزنا مع الاحصان ، فهذا يعتمد اثبات قيدين: أحدهما: حصول الزنا ولا شك فيه . الثاني: حصول الاحصان وهو حاصل ، لأن قوله تعالى: { والمحصنات مِنَ النساء } يدل على أن المراد من المحصنة: المزوجة ، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة ، فثبت أنه حصل الزنا مع الاحصان ، وإنما قلنا: ان الزنا مع الاحصان علة لاباحة الدم لقوله E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت