فهرس الكتاب

الصفحة 2022 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على } فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه أحدها: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها: وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله: { آمنا } وهو التصديق .

المسألة الثانية: ههنا سؤال: وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع؟

والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله: { قُل رَّبّ احكم بالحق } [ الأنبياء: 112 ] وقوله: { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ } [ غافر: 7 ] .

والوجه الثاني في الجواب: أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله: { وَءاتِنَا مَا وعدتنا } معناه: وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية .

الوجه الثالث: ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .

المسألة الثالثة: الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا: { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } وهذا يدل على أن المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق .

المسألة الرابعة: ههنا سؤال آخر: وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله: { أَتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب؟ وهو قوله: { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما .

والجواب من وجهين: الأول: أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله: { أَتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } المراد منه المنافع ، وقوله: { وَلاَ تُخْزِنَا } المراد منه التعظيم ، الثاني: أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل: وفقتنا للطاعات ، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل: وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، واذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة الى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت