فهرس الكتاب

الصفحة 7135 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { لاَّ يُصَدَّعُونَ } فيه وجهان أحدهما: لا يصيبهم منها صداع يقال: صدعني فلان أي أورثني الصداع والثاني: لا ينزفون عنها ولا ينفدونها من الصدع ، والظاهر أن أصل الصداع منه ، وذلك لأن الألم الذي في الرأس يكون في أكثر الأمر بخلط وريح في أغشية الدماغ فيؤلمه فيكون الذي به صداع كأنه يتطرف في غشاء دماغه .

المسألة الثانية: إن كان المراد نفي الصداع فكيف يحسن عنها مع أن المستعمل في السبب كلمة من ، فيقال: مرض من كذا وفي المفارقة يقال: عن ، فيقال: برىء عن المرض؟ نقول: الجواب هو أن السبب الذي يثبت أمرًا في شيء كأنه ينفصل عنه شيء ويثبت في مكانه فعله ، فهناك أمران ونظران إذا نظرت إلى المحل ورأيت فيه شيئًا تقول: هذا من ماذا ، أي ابتداء وجوده من أي شيء فيقع نظرك على السبب فتقول: هذا من هذا أي ابتداء وجوده منه ، وإذا نظرت إلى جانب المسبب ترى الأمر الذي صدر عنه كأنه فارقه والتصق بالمحل ، ولهذا لا يمكن أن يوجد ذلك مرة أخرى ، والسبب كأنه كان فيه وانتقل عنه في أكثر الأمر فههنا يكون الأمران من الأجسام والأمور التي لها قرب وبعد ، إذا علم هذا فنقول: المراد ههنا بيان خمر الآخرة في نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم لما كان مدحًا لها ، وأما إذا قال: هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحًا لها فلما وقع النظر عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلًا بكثرة الشرب وقوته عليه ، فإنك تقول: في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { وَلاَ يُنزِفُونَ } تقدم تفسيره في الصافات والذي يحسن ذكره هنا أن نقول: إن كان معنى { لا يُنزِفُونَ } لا يسكرون ، فنقول: إما أن نقول معنى: { لاَّ يُصَدَّعُونَ } أنهم لا يصيبهم الصداع ، وإما أنهم لا يفقدون ، فإن قلنا: بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على طريقة الارتقاء ، فإن قوله تعالى: { لاَّ يُصَدَّعُونَ } معناه لا يصيبهم الصداع لكن هذا لا ينفي السكر فقال: بعده ولا يورث السكر ، كقول القائل: ليس فيه مفسدة كثيرة ، ثم يقول: ولا قليلة ، تتميمًا للبيان ، ولو عكست الترتيب لا يكون حسنًا ، وإن قلنا: { لا يُنزِفُونَ } لا يفقدون فالترتيب أيضًا كذلك لأن قولنا: { لاَّ يُصَدَّعُونَ } أي لا يفقدونه ومع كثرته ودوام شربه لا يسكرون فإن عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب عجيب وإن قلنا: { لا يُنزِفُونَ } بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك . فنقول: أيضًا إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله: { لاَّ يُصَدَّعُونَ } لا يكون بيان أمر عجيب إن كان شرابهم قليلًا فقال: { لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ينزفون الشراب ، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب ، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت