فهرس الكتاب

الصفحة 3416 من 8321

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده { إِذْ } بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة والجمع ، والباقون بالياء على المعنى .

المسألة الثانية: جواب { عَلَيْهِمْ لَوْ } محذوف . والتقدير: لرأيت منظرًا هائلًا ، وأمرًا فظيعًا ، وعذابًا شديدًا .

المسألة الثالثة: { وَلَوْ تَرَى } ولو عاينت وشاهدت ، لأن لو ترد المضارع إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع .

المسألة الرابعة: الملائكة رفعها بالفعل ، ويضربون حال منهم ، ويجوز أن يكون في قوله: { يَتَوَفَّى } ضمير لله تعالى ، والملائكة مرفوعة بالابتداء ، ويضربون خبر .

المسألة الخامسة: قال الواحدي: معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم على استيفائها وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وأنه هو الروح فقط؛ لأن قوله: { يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } يدل على أنه استوفى الذات الكافرة ، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت من هذا الجسد ، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وقوله: { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف ، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح ، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة ، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات ، وهو لشدة حبه للجسمانيات ، ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات ، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات ، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة ، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات ، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } .

ثم قال تعالى: { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } وفيه إضمار ، والتقدير: ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } [ البقرة: 127 ] أي ويقولان ربنا ، وكذا قوله تعالى: { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا } [ السجدة: 12 ] أي يقولون ربنا . قال ابن عباس: قول الملائكة لهم: { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض ، فذاك قوله: { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } قال الواحدي: والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة . وأقول: أما العذاب الجسماني فحق وصدق . وأما الروحاني فحق أيضًا لدلالة العقل عليه ، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة ، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن . والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية ، والنار الروحانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت