اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد A بقوله { كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم } [ الشورى: 3 ] ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحًا } والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحًا ومحمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية { مَا وصى بِهِ نُوحًا } وفي آخرها { وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ } وفي الوسط { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } فما الفائدة في هذا التفاوت؟ وثانيها: أنه ذكر نوحًا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: { مَا وصى بِهِ نُوحًا } والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: { والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ } وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله { شَرَعَ لَكُم } خطاب الغيبة وقوله { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } خطاب الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين دينًا تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئًا مغايرًا للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } [ المائدة: 48 ] فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله { وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ } أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام: { أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } [ يوسف: 39 ] وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } [ الأنبياء: 25 ] واحتج بعضهم بقوله { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحًا } على أن النبي A في أول الأمر كان مبعوثًا بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل ، ومحل { أَنْ أَقيمُوا الدين } إما نصب بدل من مفعول { شَرَعَ } والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟ فقيل هو إقامة الدين { كَبُرَ عَلَى المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا