فهرس الكتاب

الصفحة 2290 من 8321

والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فاذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبًا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك ، ونظير هذه الآية قوله: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } [ الأحزاب: 16 ] والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال: تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرىء { مُّشَيَّدَةٍ } قال صاحب «الكشاف» : من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفًا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا: قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها .

قوله تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد A ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها؛ الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول A ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى: { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } [ الأعراف: 131 ] وعن قوم صالح: { قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } [ النمل: 47 ] .

القول الثاني: المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة ، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي: والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول: القول كما قال على مذهبه ، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت