والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فاذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبًا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك ، ونظير هذه الآية قوله: { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } [ الأحزاب: 16 ] والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال: تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرىء { مُّشَيَّدَةٍ } قال صاحب «الكشاف» : من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفًا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا: قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها .
قوله تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد A ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها؛ الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول A ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى: { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } [ الأعراف: 131 ] وعن قوم صالح: { قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } [ النمل: 47 ] .
القول الثاني: المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة ، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي: والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول: القول كما قال على مذهبه ، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره .