فهرس الكتاب

الصفحة 1072 من 8321

الحكم الخامس

اعلم أن قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } يقتضي الوجوب على ما بيناه ، أما قوله: { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } فليس المراد منه معاينة الموت ، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزًا عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول: وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت ، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة ، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني: قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي: والقول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر ، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره .

أما قوله { إِن تَرَكَ خَيْرًا } فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن / كقوله: { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } [ البقرة: 272 ] { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير } [ العاديات: 8 ] { مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } وإذا عرفت هذا فنقول: ههنا قولان: أحدهما: أنه لا فرق بين القليل والكثير ، وهو قول الزهري ، فالوصية واجبة في الكل ، واحتج عليه بوجهين: { الاول } أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرًا ، والمال القليل خير ، يدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [ الزلزلة: 7 8 ] وأيضًا قوله تعالى: { لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [ القصص: 24 ] وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به ، والمال القليل كذلك فيكون خيرًا .

الحجة الثانية: أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر ، بدليل قوله تعالى: { لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } [ النساء: 7 ] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية .

والقول الثاني: وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ، واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن من ترك درهمًا لا يقال: إنه ترك خيرًا ، كما يقال: فلان ذو مال ، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة ، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير ، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة ، وفي رفاهية من العيش . فإنما يراد به تكثير النعمة ، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله ، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه ، كما قد روي من قوله: « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت