فهرس الكتاب

الصفحة 2705 من 8321

ثم قال تعالى: { قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة ، والدليل على أن المراد ما ذكرنا: أن صدق الكفار في القيامة لا ينفعهم ، ألا ترى أن إبليس قال: { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } [ إبراهيم: 22 ] فلم ينفعه هذا الصدق ، وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } [ المائدة: 117 ] .

المسألة الثانية: قرأ جمهور القرّاء { يَوْمٍ } بالرفع ، وقرأ نافع بالنصب ، واختاره أبو عبيدة . فمن قرأ بالرفع ، قال الزجاج: التقدير هذا اليوم يوم منفعة الصادقين ، وأما النصب ففيه وجوه: الأول: على أنه ظرف لقال والتقدير: قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع . الثاني: أن يكون التقدير: هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم ، ويجوز أن تجعل ظروف الزمان أخبارًا عن الأحداث بهذا التأويل كقولك: القتال يوم السبت ، والحج يوم عرفة ، أي واقع في ذلك اليوم ، والثالث: قال الفرّاء: { يَوْمٍ } أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ . قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة

على حين عاتبت المشيب على الصبا ... بنى ( حين ) لإضافته إلى المبنيّ ، وهو الفعل الماضي ، وكذلك قوله { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } [ الإنفطار: 19 ] بني لإضافته إلى ( لا ) وهي مبنية ، أما هنا فالإضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل ، والفعل المستقبل معرب فالإضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم .

ثم قال تعالى: { لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم } .

اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة ، شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب ، وحقيقة الثواب: أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم . فقوله { لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله { خالدين فِيهَا أَبَدًا } إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة ، فإنه أينما ذكر الثواب قال: { خالدين فِيهَا أَبَدًا } وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد ، وأما قوله تعالى: { رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم } فهو إشارة إلى التعظيم . هذا ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى ، فتحت قوله { رّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ، وقوله { ذلك الفوز } الجمهور على أن قوله { ذلك } عائد إلى جملة ما تقدم من قوله { لَهُمْ جنات تَجْرِي } إلى قوله { وَرَضُواْ عَنْهُ } وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصًا بقوله { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود ، وكيف والجنة مرغوب الشهوة ، والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما ، وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهريّ ، ولكن كل ميسٌر لما خلق له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت