فهرس الكتاب

الصفحة 4680 من 8321

اعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض: { وَإِذَا اعتزلتموهم } واعتزلتم الشيء الذي يعبدونه إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادة الله: { فَأْوُواْ إِلَى الكهف } قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت كذا فافعل كذا ، ومعناه: إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم: { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ } أي يبسطها عليكم: { وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقًا بفتح الميم وكسر الفاء والباقون مرفقًا بكسر الميم وفتح الفاء ، قال الفراء: وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق ، وكان الكسائي ينكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء ، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به ، والمرفق بالفتح المرافق ثم قال تعالى: { وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال } وفيه مباحث:

البحث الأول: قرأ ابن عامر تَزْوَرُّ ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل تحمر ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد ، والتزاور هو الميل والانحراف ، ومنه زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق ، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت في الزاي ، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما تزور فهو من الازورار .

البحث الثاني: قوله: { وَتَرَى الشمس } أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ، ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة .

البحث الثالث: قوله: { ذَاتَ اليمين } أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام الموصوف لأنها تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال ، وامرأة ذات مال ، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين ، وأما قوله: { وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال } ففيه بحثان:

البحث الأول: قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض في أشياء فمنها القطع ، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها . تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله: { تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال } أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال .

البحث الثاني: للمفسرين ههنا قولان: القول الأول: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحًا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل ، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد . والقول الثاني: أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع . وكذا القول حال غروبها ، وكان ذلك فعلًا خارقًا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف ، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله: { ذلك مِنْ آيات الله } قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرًا معتادًا مألوفًا فلم يكن ذلك من آيات الله ، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله ، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء ، قال: { وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } أي من الكهف ، والفجوة متسع في مكان ، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات ، ومنه الحديث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت