فهرس الكتاب

الصفحة 6312 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرًا للآيات منزلًا للأرزاق ، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله { رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح } قال صاحب «الكشاف» ثلاثة أخبار لقوله { هُوَ } مرتبة على قوله { الذى يُرِيكُمُ } [ غافر: 13 ] أو أخبار مبتدأ محذوف ، وهي مختلفة تعريفًا وتنكيرًا ، قرىء { رَفِيعُ الدرجات } بالنصب على المدح ، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة:

الصفة الأولى: قوله { رَفِيعُ الدرجات } واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع ، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول:: أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني: رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة ، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة ، كما قال: { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات: 164 ] وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: { يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات } [ المجادلة: 11 ] وعين لكل جسم درجة معينة ، فجعل بعضها سفلية عنصرية ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش والكرسي ، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني ، وأيضًا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل ، فقال: { وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } [ الأنعام: 165 ] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة ، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء ، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه ، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال ، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه ، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي ، الذي هو أول لكل ما سواه ، وليس له أول وآخر لكل ما سواه ، وليس له آخر ، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات ، كما قال: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام: 59 ] وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم ، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه ، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير ، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده ، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع ، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام ، وإن فسرناه بالرافع ، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه ، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت