وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم { إنكم } بكسر الألف ومذهب نافع أن يكتفي بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن . وقرأ ابن كثير { أئنكم } بهمزة غير ممدودة وبين الثانية ، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف ، وبين الثانية . والباقون بهمزتين على الأصل . قال الواحدي: من استفهم كان هذا استفهامًا معناه الإنكار لقوله: { أتأتون الفاحشة } [ الأعراف: 80 ] وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء .
المسألة الثانية: قوله: { شهوة } مصدر . قال أبو زيد شهي يشهي شهوة وانتصابها على المصدر ، لأن قوله: { أتأتون الرجال } معناه أتشتهون شهوة؟ وإن شئت قلت إنها مصدر وقع موقع الحال .
المسألة الثالثة: في بيان الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل .
اعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ، فلا حاجة فيه إلى تعديد الوجوه على التفصيل ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة: أولها: أن أكثر الناس يحترزون عن حصول الولد ، لأن حصوله يحمل الإنسان على طلب المال وإتعاب النفس في الكسب ، إلا أنه تعالى جعل الوقاع سببًا لحصول اللذة العظيمة ، حتى أن الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع ، وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى ، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع ، فوضع اللذة في الوقاع ، كشبه الإنسان الذي وضع الفخ لبعض الحيوانات ، فإنه لا بد وأن يضع في ذلك الفخ شيئًا يشتهيه ذلك الحيوان حتى يصير سببًا لوقوعه في ذلك الفخ ، فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ ، والمقصود منه إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع .
إذا ثبت هذا فنقول: لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد ، لم تحصل الحكمة المطلوبة ، ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل ، وذلك على خلاف حكم الله ، فوجب الحكم بتحريمه قطعًا ، حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضي إلى الولد .
والوجه الثاني: وهو أن الذكورة مظنة الفعل ، والأنوثة مظنة الانفعال ، فإذا صار الذكر منفعلًا ، والأنثى فاعلًا ، كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة ، وعلى عكس الحكمة الإلهية .
والوجه الثالث: الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة ، وإذا كان الاشتغال بالشهوة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة ، فليكن قضاء الشهوة من المرأة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة ، وهو حصول الولد وإبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع فأما قضاء الشهوة من الذكر فإنه لا يفيد إلا مجرد قضاء الشهوة ، فكان ذلك تشبهًا بالبهائم ، وخروجًا عن الغريزة الإنسانية ، فكان في غاية القبح .
والوجه الرابع: هب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل ، إلا أنه يبقى في إيجاب العار العظيم ، والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبدًا لدهر ، والعاقل لا يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال ، إيجاب العيب الدائم الباقي بالغير .