فهرس الكتاب

الصفحة 1895 من 8321

واعلم أن هذا من تمام قوله: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } [ آل عمران: 139 ] فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فاذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { قُرْحٌ } بضم القاف وكذلك قوله: { مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } [ آل عمران: 172 ] والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد ، وهما لغتان: كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني: أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث: أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . والرابع: وهو قول الفرّاء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . والخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة .

المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى: { أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } [ آل عمران: 165 ] والثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار .

فان قيل كيف قال: { قَرْحٌ مّثْلُهُ } وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟

قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى .

ثم قال تعالى: { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { تِلْكَ } مبتدأ { والأيام } صفة و { نداولها } خبره ويجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد ، فقوله: { تِلْكَ الأيام } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال .

المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى: { كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ } [ الحشر: 7 ] أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيبًا ، ويقال: الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم الى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها .

واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبًا له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه . والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر: هذا رسول الله A ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر Bه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال: ان كان كما تزعمون ، فقد خبنا إذن وخسرنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت