فهرس الكتاب

الصفحة 2641 من 8321

النوع الثاني: من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } .

قد ذكرنا أنه تعالى بيّن في هذا الموضع أنواعًا من الشرائع والأحكام . بقي أن يقال: أي مناسبة بين هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه؟ فنقول: قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قومًا من الصحابة حرّموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا أنزل الله هذه الآية .

واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله { لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُم } [ البقرة: 225 ] فلا وجه للاعادة .

ثم قال تعالى: { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { عَقَّدتُّمُ } بتشديد القاف بغير ألف ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { عَقَّدتُّمُ } بتخفيف القاف بغير ألف ، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف . قال الواحدي: يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدًا إذا وكده وأحكمه ، ومثل ذلك أيضًا عقد بالتشديد إذا وكد ، ومثله أيضًا عاقد بالألف .

إذا عرفت هذا فنقول: أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير ، يقال: عقد زيد يمينه ، وعقدوا أيمانهم ، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر .

وأجاب الواحدي C عنه من وجهين: الأول: أن بعضهم قال: عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى . الثاني: هب أنها تفيد التكرير كما في قوله { وَغَلَّقَتِ الأبواب } [ يوسف: 23 ] إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه ، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقدًا ، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف .

المسألة الثانية: ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر ، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان .

المسألة الثالثة: في الآية محذوف ، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلومًا عندهم أو بنكث ما عقدتم ، فحذف المضاف . وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة .

ثم قال تعالى: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت