فهرس الكتاب

الصفحة 2961 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلًا يدل على حال المؤمن المهتدي ، وعلى حال الكافر الضال ، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتًا ، فجعل حيًا بعد ذلك وأعطى نورًا يهتدى به في مصالحه ، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها ، فيكون متحيرًا على الدوام .

ثم قال تعالى: { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وعند هذا عادت مسألة الجبر والقدر فقال أصحابنا: ذلك المزين هو الله تعالى ، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح ، فهذا الداعي لا معنى له إلا هذا التزيين ، فإذا كان موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى ، وقالت المعتزلة: ذلك المزين هو الشيطان ، وحكوا عن الحسن أنه قال: زينه لهم والله الشيطان . واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه: الأول: الدليل القاطع الذي ذكرناه . والثاني: أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر ، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية وإلا فلا بد من مزين آخر سوى الشيطان . الثالث: أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما بعدها ، أما قبلها فقوله: { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [ الأنعام: 108 ] وأما بعد هذه الآية فقوله: { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا } [ الأنعام: 123 ] .

المسألة الثانية: قوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } قرأ نافع { مَيْتًا } مشددًا ، والباقون مخففًا قال أهل اللغة: الميت مخففًا تخفيف ميت ، ومعناهما واحد ثقل أو خفف .

المسألة الثالثة: قال أهل المعاني: قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله: { أموات غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [ النحل: 21 ] وأيضًا في قوله: { لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا } [ ياس: 70 ] وفي قوله: { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } [ النمل: 80 ] وفي قوله: { وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير . . . وَمَا يَسْتَوِى الأحياء وَلاَ الأموات } [ فاطر: 19 و22 ] فلما جعل الكفر موتًا والكافر ميتًا ، جعل الهدى حياة والمهتدي حيًا ، وإنما جعل الكفر موتًا لأنه جهل ، والجهل يوجب الحيرة والوقفة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، وأيضًا الميت لا يهتدي إلى شيء ، والجاهل كذلك ، والهدى علم وبصر ، والعلم والبصر سبب لحصول الرشد والفوز بالنجاة ، وقوله: { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس } عطف على قوله { فأحييناه } فوجب أن يكون هذا النور مغايرًا لتلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة . فأولها: كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح ، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف ، وربما كان ذلك الاستعداد قليلًا ضعيفًا ، ويكون صاحبه بليدًا ناقصًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت