فهرس الكتاب

الصفحة 5442 من 8321

واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة الأوثان ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه ، والأولى حمله على العموم ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، ولأنه أوفق بظاهر قوله: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } .

المسألة الثانية: ذكروا في الظهير وجوهًا: أحدها: أن الظهير بمعنى المظاهر ، كالعوين بمعنى المعاون ، وفعيل بمعنى مفاعل غير ( غريب ) ، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة . فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاونًا للشيطان على ربه بالعداوة؟ قلنا إنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله كقوله: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله } [ الأحزاب: 57 ] وثانيها: يجوز أن يريد بالظهير الجماعة ، كقوله: { وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } [ التحريم: 4 ] كما جاء الصديق والخليط ، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالكافر الجنس ، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور ( دين ) الله تعالى ، قال تعالى: { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } [ الأعراف: 202 ] ، وثالثها: قال أبو مسلم الأصفهاني: الظهير من قولهم: ظهر فلان بحاجتي إذا نبذها وراء ظهره ، وهو من قوله تعالى: { واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا } [ هود: 92 ] ويقال فيمن يستهين بالشيء: نبذه وراء ظهره ، وقياس العربية أن يقال مظهور ، أي مستخف به متروك وراء الظهر ، فقيل فيه ظهير في معنى مظهور ، ومعناه هين على الله أن يكفر الكافر وهو تعالى مستهين بكفره .

أما قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } فتعلق ذلك بما تقدم ، هو أن الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله ، والله تعالى بعث رسوله لنفعهم ، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة ، وينذرهم على المعصية ، فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب ، فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرغ جهده في إصلاح مهماته دينًا ودنيا ، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجرًا .

أما قوله: { إِلاَّ مَن شَاء } فذكروا فيه وجوهًا متقاربة أحدها: لا يسألهم على الأداء والدعاء أجرًا إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد وغيره ، فيتخذوا به سبيلًا إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه وثانيها: قال القاضي: معناه لا أسألكم عليه أجرًا لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم وثالثها: قال صاحب «الكشاف» : مثال قوله: { إِلاَّ مَن شَاء } والمراد إلا فعل من شاء ، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابًا على ما سعيت ، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه ، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثوابًا ، فإني أطلب الثواب ، والثانية إظهار الشفقة البالغة ، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي ، ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلًا ، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة ، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت