فهرس الكتاب

الصفحة 3798 من 8321

اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله: { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } [ يونس: 48 ] .

وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا: أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه: أولها: أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة . وثانيها: أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولًا من عند الله ، وهو بيان كون القرآن معجزًا ، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم ، وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله: { أَحَقٌّ هُوَ } قيل: أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل: ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل: ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا .

ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: { قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } والفائدة فيه أمور: أحدها: أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا .

ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ولا بد فيه من تقدير محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحدًا لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء: أولها: قوله: { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الارض لاَفْتَدَتْ بِهِ } إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئًا كما قال تعالى: { وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْدًا } [ مريم: 95 ] وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى: { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } [ البقرة: 48 ] وقال في صفة هذا اليوم { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } [ البقرة: 254 ] وثانيها: قوله: { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب }

واعلم أن قوله: { وَأَسَرُّواْ الندامة } جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت