قوله: { فَئَامِنُواْ } يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية ، وذلك لكفرهم بالله وتكذيب الرسل قال: { فَئَامِنُواْ } أنتم { بالله وَرَسُولِهِ } لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة { والنور الذى أَنزَلْنَا } وهو القرآن فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات ، وإنما ذكر النور الذي هو القرآن لما أنه مشتمل على الدلالات الظاهرة على البعث ، ثم ذكر في «الكشاف» أنه عنى برسوله والنور محمدًا A والقرآن { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي بما تسرون وما تعلنون فراقبوه وخافوه في الحالين جميعًا وقوله تعالى: { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل السموات وأهل الأرض ، و { ذَلِكَ يَوْمُ التغابن } والتغابن تفاعل من الغبن في المجازاة والتجارات ، يقال: غبنه يغبنه غبنًا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته ، قال ابن عباس Bهما: إن قومًا في النار يعذبون وقومًا في الجنة يتنعمون ، وقيل: هو يوم يغبن فيه أهل الحق ، أهل الباطل ، وأهل الهدى أهل الضلالة ، وأهل الإيمان . أهل الكفر ، فلا غبن أبين من هذا ، وفي الجملة فالغبن في البيع والشراء وقد ذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى ، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم ودل المؤمنين على تجارة رابحة ، فقال: { هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة } [ الصف: 10 ] الآية ، وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين ، وقوله تعالى: { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا } يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك ، ويعمل صالحًا أي يعمل في إيمانه صالحًا إلى أن يموت ، قرىء يجمعكم ويكفر ويدخل بالياء والنون ، وقوله: { والذين كَفَرُواْ } أي بوحدانية الله تعالى وبقدرته { وَكَذَّبُواْ بئاياتنا } أي بآياته الدالة على البعث { أولئك أصحاب النار خالدين فِيهَا وَبِئْسَ المصير } ثم في الآية مباحث:
الأول: قال: { فآمنوا بالله رسوله } بطريق الإضافة ، ولم يقل: ونوره الذي أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور ههنا هو القرآن والقرآن كلامه ومضاف إليه؟ نقول: الألف واللام في النور بمعنى الإضافة كأنه قال: ورسوله ونوره الذي أنزلنا .
الثاني: بم انتصب الظرف؟ نقول: قال الزجاج: بقوله: { لَتُبْعَثُنَّ } وفي «الكشاف» بقوله: { لَتُنَبَّؤُنَّ } أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد . كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر .
الثالث: قال تعالى في الإيمان: { وَمَن يُؤْمِن بالله } بلفظ المستقبل ، وفي الكفر وقال: { والذين كَفَرُواْ } بلفظ الماضي ، فنقول: تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار .
الرابع: قال تعالى: { وَمَن يُؤْمِن } بلفظ الواحد و { خالدين فِيهَا } بلفظ الجمع ، نقول: ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى .
الخامس: ما الحكمة في قوله: { وَبِئْسَ المصير } بعد قوله: { خالدين فِيهَا } وذلك بئس المصير فنقول: ذلك وإن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤكده .