فهرس الكتاب

الصفحة 3245 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى -عليه السلام- بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح } نقل صاحب «الكشاف» عن بعضهم: أن موسى خر صعقًا يوم عرفة . وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ، وذكروا في عدد الألواح ، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح . وقيل: سبعة . وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام . وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقال الحسن: كانت من خشب نزلت من السماء . وقال وهب: كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام ، وأما كيفية الكتابة . فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور .

واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية تلك الكتابة ، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي ، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه .

وأما قوله: { من كل شيء } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح .

وأما قوله: { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لّكُلِّ شَىْءٍ } فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله: { مِن كُلِّ شَىْءٍ } وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين: أحدهما: { مَّوْعِظَةً } والآخر { تَفْصِيلًا } لما يجب أن يعلم من الأحكام ، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولًا أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام ، فقال: { وَتَفْصِيلًا لّكُلّ شَىْء } ولما شرح ذلك ، قال لموسى: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي بعزيمة قوية ونية صادقة ، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها ، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقًا ، ليكون في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال بعض المفسرين: إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره ، وقال بعضهم: بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركًا لقومه فيما عداه ، وفي قوله: { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } .

سؤال: وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورًا به ، وظاهر قوله { يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن ، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به ، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهًا: الأول: أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن ، وأكثر للثواب كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت