قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } .
اعلم أنه تعالى: لما أمر بحفظ النفس في قوله { عليكم أنفسكم } [ المائدة: 105 ] أمر بحفظ المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية أن تميمًا الداري وأخاه عديًا كانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلمًا مهاجرًا ، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابًا فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشًا بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الإناء ، فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟ فقالا لا ندري ، والذي رفع إلينا دفعناه إليكم ، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله A فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المسألة الثانية: قوله { شهادة بينكم } يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر ، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع ، وحذف ما من قوله { شهادة بينكم } جائز لظهوره ، ونظيره قوله { هذا فراق بيني وبينك } [ الكهف: 78 ] أي ما بيني وبينك ، وقوله { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام: 94 ] وفي قراءة نصب ، وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت ، وحين الوصية بدل من قوله { إذا حضر أحدكم } لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية ، فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، كما يقال: ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر ، والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية } [ البقرة: 180 ] قالوا وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية .
ثم قال تعالى: { اثنان ذوا عدل منكم } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية: شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم ، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلومًا .
المسألة الثانية: اختلف المفسرون في قوله { منكم } على قولين: الأول: وهو قول عامة المفسرين أن المراد: اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا: إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال الشعبي C: مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري ، وكان واليًا عليها فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد لذي كان في عهد الرسول E ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر ، بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما ، ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكمًا ومنهم من قال صار منسوخًا .