فهرس الكتاب

الصفحة 3151 من 8321

اعلم أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية . وكمال العلم ، والقدرة من العالم العلوي ، وهو السموات والشمس والقمر والنجوم ، أتبعه بذكر الدلائل من بعض أحوال العالم السفلي . واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة: الآثار العلوية ، والمعادن ، والنبات ، والحيوان ، ومن جملة الآثار العلوية الرياح ، والسحاب ، والأمطار ويترتب على نزول الأمطار أحوال النبات ، وذلك هو المذكور في هذه الآية .

الوجه الثاني: في تقرير النظم أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم ، أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة هاتين الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { الريح } على لفظ الواحد والباقون { الرياح } على لفظ الجمع ، فمن قرأ { الرياح } بالجمع حسن وصفها بقوله: { بَشَرًا } فإنه وصف الجمع بالجمع ، ومن قرأ { الريح } واحدة قرأ { بُشرًا } جمعًا لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير وكقوله: { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر: 2 ] ثم قال: { إِلاَّ الذين ءامَنُواْ } [ العصر: 3 ] فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع وأما قوله: { نَشْرًا } ففيه قراءات: إحداها: قراءة الأكثرين { نُشُرًا } بضم النون والشين ، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول ، والنشور بمعنى المنشر كالركوب بمعنى المركوب ، فكان المعنى رياح منشرة أي مفرقة من كل جانب والنشر التفريق ، ومنه نشر الثوب ، ونشر الخشبة بالمنشار . وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب واحدها نشور وأصله من النشر ، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرىء القيس ونشر العطر .

والقراءة الثانية: قرأ ابن عامر { نُشْرًا } بضم النون وإسكان الشين ، فخفف العين كما يقال كتب ورسل .

والقراءة الثالثة: قرأ حمزة { نَشْرًا } بفتح النون وإسكان الشين والنشر مصدر نشرت الثوب ضد طويته ويراد بالمصدر ههنا المفعول والرياح كأنها كانت مطوية ، فأرسلها الله تعالى منشورة بعد انطوائها ، فقوله: { نَشْرًا } مصدر هو حال من الرياح والتقدير: أرسل الرياح منشرات ، ويجوز أيضًا أن يكون النشر هنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر . قال الأعشى:

يا عجبًا للميت الناشر ... فإذا حملته على ذلك وهو الوجه . كان المصدر مرادًا به الفاعل كما تقول: أتاني ركضًا أي راكضًا ، ويجوز أيضًا أن يقال: أن أرسل ونشر متقاربان ، فكأنه قيل: وهو الذي ينشر الرياح نشرًا .

والقراءة الرابعة: حكى صاحب «الكشاف» عن مسروق { نَشْرًا } بمعنى منشورات فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم: ضم نشره .

والقراءة الخامسة: قراءة عاصم { بشرًا } بالباء المنقطة بالمنطقة الواحدة من تحت جمع بشيرًا على بشر من قوله تعالى: { يُرْسِلَ الرياح مبشرات } أي تبشر بالمطر والرحمة ، وروى صاحب «الكشاف» { بشرًا } بضم الشين وتخفيفه و { بشرًا } بفتح الباء وسكون الشين مصدر من بشره بمعنى بشره أي باشرات وبشرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت