فهرس الكتاب

الصفحة 3593 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر ، على ضد صفات المنافقين ، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم ، فأما صفات المؤمنين فهي قوله: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } .

فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } وههنا قال في صفحة المؤمنين: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } فلم ذكر في المنافقين لفظ { مِنْ } وفي المؤمنين لفظ { أَوْلِيَاء } .

قلنا: قوله في صفة المنافقين { بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } يدل على أن نفاق الأتباع ، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر ، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة ، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية ، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين: { بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } وقال في المؤمنين: { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } .

واعلم أن الولاية ضد العداوة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب ، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة ، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه .

واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال: { يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة وويؤتون الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورسولهُ } فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق ، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، والمؤمن بالضد منه . والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه . والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال: { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك ، والمؤمنون بالضد منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله: { وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ } ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال: { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله } وذكر حرف السين في قوله: { سَيَرْحَمُهُمُ الله } للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يومًا ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا } [ مريم: 96 ] { لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى: 5 ] { سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } [ النساء: 152 ] .

ثم قال: { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت