اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضًا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله: { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } [ البقرة: 244 ] ثم أعقبه بقوله: { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة: 245 ] والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ } .
إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل:
المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالًا بقوله: { أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } فنقول: الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقًا بالإجماع أما ما كان حرامًا فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حرامًا ، والأصحاب قالوا: ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقًا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقًا حلالًا .
المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: { أَنفَقُواْ } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن: هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله: { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد: والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .
المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لاَّ بَيْعٌ ، وَلاَ خُلَّةٌ ، وَلاَ شفاعة } بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } [ إبراهيم: 31 ] وفي الطور { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [ الطور: 23 ] والباقون جميعًا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله: { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ } [ البقرة: 197 ] .
المسألة الرابعة: المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } [ الأنعام: 94 ] وقال: { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا } [ مريم: 80 ] .
أما قوله: { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } ففيه وجهان الأول: أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال: { فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } [ الحديد: 15 ] وقال: { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ } [ البقرة: 123 ] وقال: { وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } [ الأنعام: 7 ] فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال .