فهرس الكتاب

الصفحة 2518 من 8321

وقوله تعالى: { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } في الآية سؤال ، وهو أن أحدًا من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم ، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به .

وجوابه: أن كثيرًا من الحلولية يقولون: إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين ، أو في روحه ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إن قومًا من النصارى ذهبوا إلى هذا القول ، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى ، وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام ، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتًا أو صفة ، فإن كان ذاتًا فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول . وإن قلنا: إن الأقنوم عبارة عن الصفة ، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول ، ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم ، ومن لم يكن عالمًا لم يكن إلها ، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم ، فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلاّ أن حاصل مذهبهم ليس إلاّ ذلك:

ثم أنه سبحانه احتج على فساد هذا المذهب بقوله { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعًا } وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط . والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا ، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره ، وقوله { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا } أي فمن يملك من أفعال الله شيئًا ، والملك هو القدرة ، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده . وقوله { وَمَن فِى الارض جَمِيعًا } [ المعارج: 14 ] يعني أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلمتم كونه تعالى خالقًا للكل مدبرًا للكل وجب أن يكون أيضًا خالقًا لعيسى .

ثم قال تعالى: { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } إنما قال { وَمَا بَيْنَهُمَا } بعد ذكر السموات والأرض ، ولم يقل: بينهن لأنه ذهب بذلك مذهب الصنفين والنوعين .

ثم قال: { يَخْلُقُ مَا يَشَاء والله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وفيه وجهان: الأول: يعني يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد ، وتارة لا من الأب والأم كما في خلق آدم عليه السلام ، وتارة من الأم لا من الأب كما في حق عيسى عليه السلام ، والثاني: يخلق ما يشاء ، يعني أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة معجزة لعيسى ، وتارة يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص معجزة له ، ولا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت