فهرس الكتاب

الصفحة 5710 من 8321

وقال في الدليلين المتقدمين: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ } [ العنكبوت: 19 ، 67 ] ولم يقل: { أَوَلَمْ يَسيرُواْ } إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض وقال ههنا: { أَوَلَمْ يَسيرُواْ . . . فَيَنظُرُواْ } ذكرهم بحال أمثالهم ووبال أشكالهم ، ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدم من عاد وثمود كانوا أشد منهم قوة ولم تنفعهم قواهم وكانوا أكثر مالًا وعمارة ، ولم يمنع عنهم الهلاك أموالهم وحصونهم ، واعلم أن اعتماد الإنسان على ثلاثة أشياء قوة جسمية فيه أو في أعوانه إذ بها المباشرة وقوة مالية إذ بها التأهب للمباشرة ، وقوة ظهرية يستند إليها عند الضعف والفتور وهي بالحصون والعمائر ، فقال تعالى: كانوا أشد منهم قوة في الجسم وأكثر منهم مالًا لأنهم أثاروا الأرض أي حرثوها ، ومنه بقرة تثير الأرض ، وقيل منه سمي ثورًا ، وأنتم لا حراثة لكم فأموالهم كانت أكثر ، وعمارتهم كانت أكثر لأن أبنيتهم كانت رفيعة وحصونهم منيعة ، وعمارة أهل مكة كانت يسيرة ثم هؤلاء جاءتهم رسلهم بالبينات وأمروهم ونهوهم ، فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم ، وقوله: { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } يعني لم يظلمهم بالتكليف ، فإن التكليف شريف لا يؤثر له إلا محل شريف ولكن هم ظلموا أنفسهم بوضعها في موضع خسيس ، وهو عبادة الأصنام واتباع إبليس ، فكأن الله بالتكليف وضعهم فيما خلقوا له وهو الربح ، لأنه تعالى قال خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم ، والوضع في ( أي ) موضع كان الخلق له ليس بظلم ، وأما هم فوضعوا أنفسهم في مواضع الخسران ولم يكونوا خلقوا إلا للربح فهم كانوا ظالمين ، وهذا الكلام منا وإن كان في الظاهر يشبه كلام المعتزلة لكن العاقل يعلم كيف يقوله أهل السنة ، وهو أن هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته ، لكنه كان منهم ومضافًا إليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت