في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال القفال C: هذه الآية داخلة في معنى قوله: { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } [ الإسراء: 13 ] ومعناه: أن الكمال في الدنيا قسمان ، فمنهم من يريد بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة فيها ، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدخول في طاعتهم والإجابة لدعوتهم ، إشفاقًا من زوال الرياسة عنه ، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤمًا لأنه في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدرًا لا كما يشاء ذلك الإنسان ، بل كما يشاء الله إلا أن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها بحرها مذمومًا ملومًا مدحورًا منفيًا مطرودًا من رحمة الله تعالى . وفي لفظ هذه الآية فوائد .
الفائدة الأولى: أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة ، فقوله: { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يصلاها } إشارة إلى المضرة العظيمة ، وقوله: { مَذْمُومًا } إشارة إلى الإهانة والذم ، وقوله: { مَّدْحُورًا } إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله ، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص .
الفائدة الثانية: أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها وظن أن ذلك لأجل كرامته على الله تعالى ، وأنه تعالى بين أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى ، لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها هي المصير إلى عذاب الله وإهانته ، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السوء في لزومها له وكونها سائقة له إلى أشد العذاب .
الفائدة الثالثة: قوله تعالى: { لِمَن نُّرِيدُ } يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل أحد ، بل كثير من الكفار والضلال يعرضون عن الدين في طلب الدنيا ، ثم يبقون محرومين عن الدنيا وعن الدين ، وهذا أيضًا فيه زجر عظيم لهؤلاء الكفار الضلال الذين يتركون الدين لطلب الدنيا ، فإنه ربما فاتتهم الدنيا فهم الأخسرون أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا .
وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الأخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } فشرط تعالى فيه شروطًا ثلاثة:
الشرط الأول: أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة ، فإنه إن لم تحصل هذه الإرادة ، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم: 39 ] ولقوله E: « إنما الأعمال بالنيات » ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته ، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب طاعته .
والشرط الثاني: قوله: { وسعى لَهَا سَعْيَهَا } وذلك هو أن يكون العمل الذي يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها ينال ثواب الآخرة ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان من باب القرب والطاعات ، وكثير من الناس يتقربون إلى الله تعالى بأعمال باطلة ، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان ، ولهم فيه تأويلان: