فهرس الكتاب

الصفحة 2551 من 8321

في اتصال الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بيّن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضًا ، والثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعًا وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [ المائدة: 32 ] ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام ، فذكر أولًا: قطع الطريق ، وثانيًا: أمر السرقة ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف النحويون في الرفع في قوله { والسارق والسارقة } على وجوه: الأول: وهو قول سيبويه والأخفش: أن قوله { والسارق والسارقة } مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوف والتقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في قوله { والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } [ النور: 2 ] وفي قوله { واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا } [ النساء: 16 ] وقرأ عيسى بن عمر { والسارق والسارقة } بالنصب ، ومثله { الزانية والزانى } والاختيار عند سيبويه النصب في هذا . قال لأن قول القائل: زيدًا فاضربه أحسن من قولك: زيد فاضربه ، وأيضًا لا يجوز أن يكون { فاطعوا } خبر المبتدأ ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء .

والقول الثاني: وهو اختيار الفراء: أن الرفع أولى من النصب ، لأن الألف واللام في قوله { والسارق والسارقة } يقومان مقام «الذي» فصار التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضًا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقًا بعينه أو سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى ، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد .

ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه: الأول: أن الله تعالى صرّح بذلك وهو قوله { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة ، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط ، والثاني: أن السرقة جناية ، والقطع عقوبة ، وربط العقوبة بالجناية مناسب ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم ، والثالث: أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة ، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة ، فكان الأول أولى .

وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء ، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول E وعن جميع الأمة ، وذلك باطل قطعًا ، فإن قال لا أقول: إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول: القراءة بالنصب أولى ، فنقول: وهذا أيضًا رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . والثاني: أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها منكم ) بالنصب ، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت